عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
359
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
حكيمة إلا أنا نرى فيك زلة ، قالت وما هي ؟ قلنا امرأة شابة تسافر بغير محرم ، فقالت ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) فأخرجت دراهم من كسائى ودفعتها إليها ، فقالت من أين لك هذه ؟ قلت أنا رجل مباحى ، آخذ من الأشياء المباحة ، فقالت نعم كسب الضعيف ، قلت وما ضعفي ؟ قالت ضعف اليقين ، قلنا وما علامة اليقين ؟ فقالت ما تبلغ درجة اليقين حتى تضع المقراض على لحمك الذي ربيته على غير رضاه فتذيبه حتى ينبت لحم آخر يرضاه ، فقلنا لها لكل شئ علامة ودلالة ، فما دلالتك ؟ فضربت بيدها الأرض فأخذت كفّ حصى ، ثم قالت خذ يا ضعيف اليقين ، فأخذها محمد فإذا هي دنانير ، فقالت له خذها فما دخلت في كفة ميزان ولا في كف بني آدم قبلك ثم قالت لي إنما لم أعطك إياها لكونك فررت منها ، ثم قالت أين تريدون ؟ قلنا الرملة ، فقالت هذه الرملة ؟ فإذا نحن بحيطان الرملة ، فدخلناها والناس قد انصرفوا من صلاة الجمعة ، فأخذ محمد الدنانير وبنى بها مسجدا بعسقلان ، وهو معروف إلى يومنا هذا بمسجد المباحى ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الحادية والعشرون بعد الأربع مئة عن بعض الصالحين ) قال بعض الصالحين : خرجت من الليل وحدى وأنا عليل وعلىّ حمى شديدة وأصابني عطش ، فلما بلغ بي الجهد عدلت إلى شجرة المقل ، فطرحت نفسي تحتها آيسا من الحياة ، فإذا أنا برجل معه أربعة أرغفة ، بين اثنين منها طائر مشوى ، وبين اثنين خبيص ، وكان عند رأسي ركوة ، فذهب بها إلى البحر فملأها وتركها عندي ، فإذا ماء أبرد من الثلج وأحلى من العسل ، فزالت عنى الحمى وما كنت أجده ، ثم جلس عندي وأخذت آكل ، فقام وقال قد جاءت الرفقة وعلىّ شغل غيرك ، فالتفت فإذا نحو من عشرين جمالا فقمت إليهم وغاب عنى رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * وقال بعضهم أيضا كنت بمصر وكان بي فاقة فدخلت بعض المساجد ، فإذا أنا بشاب جالس ، فدفع إلىّ صرّة فيها قطع ، وقال لي خذ شعرك واغسل ثيابك ، فجئت إلى حجام فأخذت من شعري فدفعت إليه قطعتين ، فلما صارتا في كفه قبلهما وقال : مرحبا أنا في طلبك منذ ثلاثين سنة ، من أين لك هذه القطع ؟ فإنها ليست من قطع الدنيا ، لها نور عظيم من القدرة ، فحدثته بقصتها ، فأخذ بيدي ومضينا إلى ذلك